"درع الشـمـال": نـتـنـياهو ضـخّـم "أنـفـاق حــزب الله" هـروبـاً مـن مـواجـهــة غــزة

2018-12-06

بقلم: عاموس هرئيل
أحداث أول من أمس، توضّح، الآن، بصورة صريحة، ما كان يمكن فقط إعطاء اشارات عنه في الايام الأخيرة، تحت ستار التعتيم الشديد الذي فرضته الرقابة العسكرية: الجيش الاسرائيلي بدأ عملية واسعة للعثور على انفاق هجومية حفرها «حزب الله» تحت الحدود الى لبنان وتدميرها.
هذه هي الخلفية الفورية للعصبية المتزايدة في الجبهة الشمالية في الاسابيع الاخيرة، وللقاء بين رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ووزير الخارجية الاميركي، مايك بومبيو، في بروكسل – وكذلك للاشارات التي اطلقها نتنياهو قبل نحو اسبوعين عن حالة الطوارئ الامنية التي استدعت حسب قوله بقاء «البيت اليهودي» في حكومته العرجاء.
في الخلفية تتطور ايضا حرب الجميع ضد الجميع في الساحة السياسية، التي فيها المواقف المتضاربة فيما يتعلق بأهمية النشاطات ومغزاها، تأتي، كالعادة، من المسألة الوحيدة ذات العلاقة: كيف ستنعكس هذه القضية على مكانة نتنياهو؟
التعريف الطنان الى درجة ما لـ»عملية» يأتي من حجم القوات التي أرسلت الى الشمال خوفا من التصعيد ومن التدخل المتزايد للمستوى السياسي وهيئة الاركان فيما يحدث هناك. ولكن رغم الاسم ذي الاهمية الرمزية، الذي اختير للعملية «درع الشمال»، فان عمليات اسرائيل بعيدة عن التبشير بحرب. اسرائيل تعمل في أراضيها، نشاطات دفاعية مشروعة، من اجل احباط اعدادات هجومية قام بها «حزب الله» من اجل عملية مستقبلية ضدها.
جميع الاعمال الهندسية تتم حتى الآن في الجانب الاسرائيلي للحدود، وهي تعالج خرق السيادة من قبل «حزب الله» الذي حفر انفاقا الى داخل اراضي اسرائيل (ايضا الجيش الاسرائيلي لا يمتنع عن القيام بخطوات ضد السيادة اللبنانية والسورية: «طائرات سلاح الجو هاجمت مئات المرات في السنوات الاخيرة الاراضي السورية وحلقت على الاغلب في سماء لبنان من اجل جمع المعلومات والتحذير».
العملية الاسرائيلية تسحب الآن من «حزب الله» ورقة هجومية مهمة، التي أعدها من اجل استخدامها عند اندلاع حرب. هذا سيكون خيبة أمل عملياتية كبيرة من جانبه، ولكنها ليست سببا لشن حرب الآن.
حسب التقديرات الاسرائيلية فان أمين عام «حزب الله»، حسن نصر الله، رغم تهديداته المتواصلة، غير معني بحرب، وهو بالذات الجهة الكابحة في عملية اتخاذ القرارات في طهران ودمشق وبيروت. إن قصف الضاحية في بيروت في حرب لبنان الثانية ما زال حتى الآن في ذاكرته، بالضبط مثلما تدرك اسرائيل الامكانيات التدميرية الكامنة لعشرات آلاف الصواريخ والقذائف الموجودة بحوزة «حزب الله».

ليست عملية «سافتا» (جدتي)
الاعلان عن العملية، أول من أمس، وضع الازمة حول استقالة وزير الدفاع، افيغدور ليبرمان، من الحكومة في ضوء جديد. في خطابه الذي القاه في 18 تشرين الثاني في اعقاب انسحاب ليبرمان ومطالبة نفتالي بينيت بالحصول على وزارة الدفاع قال نتنياهو إنه تنتظر الدولة تحديات أمنية، واضاف بأنه سيُطلب من الجمهور تقديم «تضحيات». استخفّ ليبرمان بهذه الاقوال، وايضا وزراء «البيت اليهودي»، الذين قرروا غداة ذلك اليوم البقاء في الحكومة، لم يقتنعوا بأن الامر يتعلق بخطر حرب.
هل «درع الشمال» عملية «سافتا» (جدتي)، أم عملية «عنتيبة»؟ ليس هذه أو تلك، كما يبدو. ولكن منذ صباح أول من أمس، قام شخص ما بتقديم توجيه للمراسلين عن احداث الاشهر الاخيرة. حسب هذه الرواية هناك علاقة وثيقة بين التطورات الاخيرة في قطاع غزة وبين الشمال. نتنياهو ورئيس الاركان، غادي آيزنكوت، قيل، قاما بتضخيم تهديد الانفاق في لبنان وقاما باستخدامه من اجل تأجيل عملية ضرورية في غزة.
من فحص قامت به «هآرتس» مع عدد من المطلعين على الامر يتبين أن «الكابنت» وعددا من الجهات الاخرى، حصلوا على آخر المستجدات بشأن الانفاق في الشمال خلال الاشهر الاخيرة. في 7 تشرين الثاني تم طرح النشاط الهندسي على الحدود الشمالية في نقاش في «الكابنت» وتم طرحه للتصويت عليها مع معارضة وزير واحد هو ليبرمان. اعتقد وزير الدفاع أن العملية في الشمال غير ملحة وأن عملية برية في غزة اكثر اهمية. ايضا في هيئة الاركان كان هناك جنرالات تحفظوا على عملية بسبب الخوف من التداعيات المحتملة.
العملية الهندسية في الشمال كان يمكن أن تبدأ بعد اسبوع. ولكن في ليل 11 تشرين الثاني تشوشت عملية القوة الخاصة للجيش الاسرائيلي قرب خان يونس والتي قتل فيها ضابط اسرائيلي، المقدم م. في اليوم التالي رد الفلسطينيون باطلاق نحو 500 صاروخ وقذيفة. وفي 13 تشرين الثاني اجتمع «الكابنت» في جلسة دراماتيكية تقرر فيها الموافقة على جهود مصر لتحقيق تسوية لوقف اطلاق النار والعودة الى مسار التسوية مع «حماس». في 14 تشرين الثاني اعلن ليبرمان استقالته من الحكومة وانتقد بشدة ما وصفه بأنه سياسة انهزامية لاسرائيل في قطاع غزة.
في نقاشات «الكابنت» في 13 تشرين الثاني قاد آيزنكوت الخط الذي يعارض عملية برية في غزة بدعم من نتنياهو (هناك من يقولون إن ذلك تم بصورة غير صريحة). يتذكّر عدد من الوزراء أنه ذكر فيها باختصار مسألة الانفاق في الشمال. ولكن ما هو معروف أن هذا لم يكن الادعاء الاساسي والسبب الرئيسي لاتخاذ قرار التأجيل، فنتنياهو وآيزنكوت رفضا العملية في غزة، ولم يكن لدى الجيش اهداف نوعية لمهاجمتها لأن التصعيد لم يبدأ بعملية اسرائيلية مفاجئة، وقادة «حماس» اختفوا عميقا تحت الارض.
الادعاء الذي يظهر بأثر رجعي هو أن نتنياهو وآيزنكوت خشيا من العملية المطلوب القيام بها في غزة، ولذلك رتبا لهما عملية اخرى، ولكنها أقل حيوية في الشمال كبديل. عملية كهذه الآن تخدم رئيس الحكومة مرتين: تحرف النقاش العام خلال يومين فقط من نشر توصيات الشرطة ضده في ملف 4000، وتعود لعرضه كسياسي رفيع المستوى، السياسي الوحيد الذي يستطيع مواجهة التحديات الاقليمية المعقدة والمتغيرة التي تواجهها اسرائيل. آيزنكوت ايضا حصل على عمليته قبل لحظة من انتهاء منصبه في 15 كانون الثاني. رئيس الاركان ينظف بذلك الطاولة من مشكلة الانفاق في الشمال، رغم أن من سيحل محله، افيف كوخافي، سيطلب منه معالجة التهديد من غزة والازمة المتطورة حول مصانع الصواريخ الايرانية في لبنان.
من هنا جاء ايضا انتقاد اليمين واليسار لما يوصف كعملية علاقات عامة مضخمة ودفاعية، تخيف الجمهور بلا داع. الجيش من ناحيته رد على الانتقاد بالكشف عن تفاصيل وطبيعة التهديد (النفق الذي تم الكشف عنه اخترق بمسافة 40 مترا داخل اراضي اسرائيل، واخترق مسار راكبي الدراجات لسكان المطلة)، وعلى الفور تم اتهام الجيش بأنه يقوم بعلاقات عامة. ولكن كل النقاش، كما يبدو، يدور من موقع من مع نتنياهو ومن ضده. يمكن فقط التخمين بما سيحدث هنا عندما يقرر مواصلة عمله كرئيس للحكومة ووزير للدفاع، اذا قدمت ضده لائحة اتهام.

تهديد أمني
كان لسفر نتنياهو الى بروكسل كما يبدو عاملان: التنسيق مع الاميركيين حول النشاطات ضد الانفاق في الشمال، وفي المقابل نقل تحذير شديد آخر للحكومة اللبنانية؛ أن تجلس بهدوء وتحاول كبح «حزب الله» من اجل منع تصعيد للوضع على الحدود. السؤال الذي يشغل الآن المسؤولين هو كيف سترد ايران فيما بعد وهل ستبحث عن طريقة لتدفيع اسرائيل الثمن، ربما على حدود اخرى، بسبب احباط خططها العملياتية؟
مشروع الانفاق هو أمر ثمين، سري، ومهم جدا من ناحية ايران و»حزب الله». من الواضح أن الايرانيين ايضا كانوا في الصورة، وأن عددا من الامور العملياتية استند الى المعرفة التي راكمتها «حماس» في نشاطاتها تحت الارض في قطاع غزة في العقد الاخير.
حقّق جهاز الامن اختراقة تكنولوجية واستخبارية في كشف الانفاق في قطاع غزة قبل سنة تقريبا، ومنذ ذلك الحين دمر 17 نفقا هجوميا على جانب الجدار في غزة. إلا أن النجاح العملياتي ساهم ايضا بالتدريج في التدهور الذي حدث بين اسرائيل و»حماس» بعد ذلك، وقاد «حماس» الى تسريع التسخين عمدا على طول الجدار في غزة بوساطة «مسيرات العودة» التي بدأت في نهاية آذار الماضي.
حفر الانفاق مثل العثور عليها في اراضي الشمال وعلى الحدود الشمالية، هو مهمة صعبة جدا. عرض الجيش الاسرائيلي، أول من أمس، باختصار تفاصيل استعداده في هذا المجال في السنوات الاخيرة: تبلور الفهم في العام 2012 عندما تحدث «حزب الله» عن خطة مستقبلية لـ»احتلال الجليل»، هذا الامر يتضمن ايضا نية هجوم مفاجئ بوساطة الانفاق؛ تشكيل طاقم خاص لفحص المشكلة في العام 2014، ونشاط محموم لاكتشاف الانفاق في السنوات الاخيرة.
لم يكشف الجيش حتى الآن عدد السنوات التي مرت منذ تم حفر الانفاق وحتى تم اكتشافها (في حالة النفق الذي عرض، أول من أمس، استمرّ الحفر نحو سنتين). الجيش الاسرائيلي ايضا لا يقول اذا كان هناك شك بوجود انفاق اخرى غير التي تم اكتشافها، وهل لم يكن من الواجب القيام بهذه الخطوة قبل بضعة اشهر، عندما بدأت الاستعدادات المتواصلة للعمل.
مع ذلك، تم الكشف هنا عن تحد امني مهم سيتطلب الآن ادارة ملاصقة من جهة نتنياهو وآيزنكوت وقائد المنطقة الشمالية يوئيل ستريك. الجهود التي بذلت من اجل العثور على انفاق اخرى يتوقع أن تستغرق اسابيع إن لم يكن اشهرا. والانفاق ليست هي المسألة الملحة الوحيدة التي تقف على جدول الاعمال. اسرائيل تحذر ايضا من تداعيات الخطة الايرانية لاقامة مصانع سلاح دقيق في لبنان، وتتكيف مع التغييرات التي تمليها روسيا في المنطقة. بدرجة كبيرة اغلقت موسكو سماء سورية امام هجمات سلاح الجو الاسرائيلي من جهة، وفرضت على ايران تقليص استخدام قوافل تهريب السلاح من جهة اخرى.

عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: