دفاتر الأيام

على كرسي متحرك

سما حسن

2018-12-06

 احتفل العالم باليوم العالمي للمعاقين، ولأن هذه الفئة من البشر نجدهم حولنا في كل مكان، فقد أعجبني أن يطلق عليهم لقب "أصحاب الهمم"، وهذه التسمية تليقُ بهم، فكم من فاقد لنعمة في جسده، عوضه الله بها في عقله أو في عضو آخر من هذا الجسد حتى يتم الله نعمته عليه. وأذكر أن أمي كانت تردد مقولة حسبتها مخيفة وجعلتني أخاف من كل معاق في صغري حتى كبرت وتفتحت مداركي وبدأت أفك فحوى مقولتها.
كانت أمي تقول: "كل ذي عاهة جبار" وهي كغيرها من الناس رأت أن من خُلق بإعاقة فهو ذو عاهة، وهذه الكلمة بحد ذاتها مخيفة وتوحي بتوجُّس الشر، وبأن هذه الفئة من البشر هي فئة غير عادية، وكنتُ أنظر بعين الريبة لكل معاق أراه، وخاصةً المعاقات اللواتي كنت ألتقيهن بكثرة بحكم معيشتي في منطقة يكثر فيها الزواج بين الأقارب.
حين تفتحت مداركي، وكأن مدارك الإنسان تفاجئه كل حين بأنها تكتشف خطأ ما ذهبت إليه واعتقدته في البداية، فقد اكتشفتُ أن العاهة التي اعتقدتها أمي ما هي إلا القدرات غير العادية للمعاق أو المعاقة، فقد كان ذهولي مبهراً من صنيع يدَي معاقةٍ عرفتُها بحكم الجيرة، وكانت في العشرينات من عمرها، ولكنها كانت تغزل الملابس الصوفية لأبناء الحي بواسطة يديها السليمتين الحرتين القويتين مثل آلة كهربائية من آلات النسج والغزل الحديثة، فهي تُنهي السترة خلال ساعات قليلة، وتنجز المعطف بزيادة ساعة على وقت انجاز السترة، ولحركة يديها السحر والغرابة، وكأن ما فقدته من حركة وحياة في ساقيها قد تحول إلى يديها وكأنها أصبحت ساحرة.
كنا نتجمَّع حولها وقد أتينا بما تبقى من غزل أمهاتنا، نحن الفتيات الصغيرات، ونطلب منها أن تغزل لنا ستراتٍ وأثواباً للدمى الخاصة بنا، وهذا الأمر يكون على سبيل التسلية لها، فهو لا يستغرق جهداً ولا وقتاً، وكنت أسعد أيَّما سعادة حين ترتدي دميتي المحببة ثوباً صوفياً مثل السترة التي نسجتها أمي، وأمي كانت تستغرق أياماً وأياماً وهي تنسج السترة وتعاني من ألم في يديها جراء ذلك، ولكنها لم تكن تعترف ان هذا العمل يُرهقها، فالغزل على الصوف وخاصة في أيام الشتاء هو سمة السيدات الراقيات، واللواتي شاهدتُ صورهن في الروايات المترجمة من الأدب الانجليزي حين أصبحتُ قارئةً نهمة.
عند مربط الفرس نتوقف، وهو أن الخالق  لم يحجب قوةً عن إنسان إلا أعطاه أضعافها في موضع آخر، ولكننا نحن البشر نهين ونستهين بالمعاقين، ونُشعرهم دوماً بأنهم أقل منا نحن الأسوياء الذين خُلقنا كاملي الأعضاء ولكننا لا نُحسن استغلالها، فكم غرق الأسوياء في الكسل والنوم والاسترخاء وتركوا مهمة معيشتهم على الآباء والأمهات، أو اتكلوا على ميراث أو ثروة؟
يفاجئنا المعاقون حول العالم بهمهم العالية، وبأنهم أصبحوا في  كل محفل من البارزين، بل يبتكرون المجالات التي لا تخطر على البال لكي يبرعوا فيها، وفي غزة أمثلةٌ كثيرة للمبدعين والمبدعات من أصحاب وصاحبات الهمم، وقد رأينا مؤخراً تكوين فرق رياضية لكرة القدم والتنس من البنات والشباب الذين فقدوا أطرافهم خلال الأحداث الأخيرة، أو الذين وُلدوا بإعاقات، وفي هذه الناحية وحيث يبرع أصحاب الهمم مازلنا نفرق بين المعاق والمعاقة، ونمنح المعاقَ حقه في الزواج من فتاة سليمة، ونبخس المعاقةَ حقها في الزواج، ونطلب منها ألا تفكر لو مجرد التفكير بهذا الأمر، ونطلب منها أن تؤمن لقمة عيشها، ونتركها تعاني من التفرقة لكونها أنثى ولكونها معاقة.
الأمثلة كثيرة على هذه التفرقة، ومهما بلغت المعاقة أو صاحبة الهمة من مكانة، إلا أن نظرة المجتمع لها أنها ناقصة، ونظرة المجتمع لصاحب الهمة في أمر الزواج أن لا شيء يعيبه، خاصةً إذا ما كان يحصل على معاش صغير من جهة ما، ولولا هذا المعاش لعانى أكثر وأكثر، وهنا نكتشف أن أي تفوق ينجزه صاحب أو صاحبة الهمة يصطدم بنظرة مجتمعية لا تتذكر المعاق أو المعاقة إلا في يومهم العالمي وبشعارات زائفة لا تطبق على أرض الواقع.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: