السعودية في الطريق إلى «النووي»

2018-12-04

بقلم: أفرايم أسكولاي ويوئيل جوجنسكي
وضع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في تشرين الثاني، حجر الزاوية لمشروع إقامة مفاعل بحث نووي أول في المملكة، وذلك في إطار سبعة مشاريع علمية تكنولوجية تأتي على حد قوله للسير بالمملكة إلى الأمام. فاهتمام المملكة بالمسار النووي ليس جديداً، مثلما هي أيضاً المخاوف القائمة في أنه في ملابسات وظروف معينة من شأنها أن تختار التوجه إلى الاتجاه النووي العسكري. ناهيك عن أنه ليس لديها بعد قدرات حقيقية، فالمخاوف من مشروع نووي سعودي لاقت مفعولاً في آذار الماضي، عندما قال بن سلمان في رد على سؤال حول الموضوع لأول مرة علناً وصراحة: إنه إذا امتلكت إيران قدرة نووية عسكرية فإن المملكة ستمتلك قدرة مشابهة.
بينما لا تشكل إقامة مفاعل بحث نووي شرطاً مسبقاً، إلزامياً، لإقامة مشروع مفاعلات توليد قوة واسعة النطاق، مثلما جسد ذلك اتحاد الإمارات، فإن هذه من ناحية معينة هي خطوة ذكية من جانب دولة فقيرة في البنى التحتية البشرية والتكنولوجية. ولكن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تثير القلق، إذا تبين أن هدفها ليس فقط تأهيل طاقم لمشروع إقامة مفاعلات توليد طاقة في الدولة بل أيضاً لإعداد البنية التحتية لإنتاج محتمل للبلوتونيوم من الوقود النووية التي ستبث في مفاعل البحث. هذا الأمر هو بالتأكيد في إطار الممكن إذا تذكرنا أن المفاعل العراقي هو الآخر عرض كمفاعل بحث نووي وكذا مفاعلات أخرى يمكنها، في ظروف معينة، أن تستخدم لهذا الغرض. من المعقول أن تطلب الولايات المتحدة أن يشغل المفاعل بوقود مخصب إلى درجة 20 في المئة. فالأمر سيمنع استخدام الوقود لفصل البلوتونيوم عنها، ويجعل من الصعب (بل يمنع) إنتاج البلوتونيوم من اليورانيوم الطبيعي. ليس معقولاً أن توفر الدول الدائمة العضوية الخمس للرياض مفاعلاً مشغلاً باليورانيوم الطبيعي، فمن الأسهل إنتاج البلوتونيوم للأغراض العسكرية منه. وحسب أحد المصادر، فإن قدرة المفاعل ستكون متدنية جداً، نحو مئة كيلو واط بمستوى يسمح بالدراسة والبحث ولكن ليس لإنتاج البلوتونيوم بكميات ذات مغزى.
وبالتوازي، فإن مفاوضات التعاون في المجال النووي بين الولايات المتحدة والسعودية استؤنفت في السنة الأخيرة. ووصلت الاتصالات بين الطرفين إلى طريق مسدود في عهد إدارة أوباما بسبب رفض المملكة التنازل عن "حقها" في تخصيب اليورانيوم القادر على أن يشكل وقوداً نووياً لمشروع مفاعلات توليد الطاقة.
ولكن إدارة دونالد ترامب تفكر بتغيير النهج والسماح بالتخصيب في السعودية ضمن قيود. وزير الطاقة الأميركي، ريك بيري، هو بقدر كبير القوة المحركة من خلف الخطوة، ولكنه يصطدم بمعارضة معينة من جانب مشرعين جمهوريين وديمقراطيين على حد سواء ممن يطرحون تخوفاً من نوايا المملكة في المجال النووي. إضافة إلى ذلك، فإن بعضهم يسعى الآن إلى تجميد المفاوضات السرية مع السعوديين في أعقاب قتل خاشقجي والتدخل السعودي في اليمن. الضغط من جانب الكونغرس على الإدارة سيتغلب الآن على الكثير من المشرعين الكثيرين ممن يسعون إلى إجراء "إعادة تقويم" لمنظومة العلاقات مع الرياض، الأمر الذي سيجعل المفاوضات النووية أكثر صعوبة. الجدير بالذكر أن تخصيب اليورانيوم يمكن بالتأكيد أن يستخدم لأغراض شرعية تتمثل بتوريد وقود نووي لمفاعلات توليد الطاقة، ولكن يمكن أن يستخدم أيضاً كمصدر للمادة المشعة لسلاح نووي، مثل المشاريع العسكرية التي طورتها باكستان وإيران.
لا تريد السعودية التخلف عن إيران، وقد أعلنت قبل بضع سنوات عن مشروع نووي طموح، بل طموح جداً، لبناء ما لا يقل عن 16 مفاعلاً نووياً كان موعد إنهائها يتأجل كل الوقت، وهو اليوم 2040. ولغرض بناء المفاعلين الأولين تلقت الرياض اقتراحات من شركات في الولايات المتحدة، الصين، روسيا، فرنسا وجنوب كوريا، وأعلنت أنها ستختار قريباً الشركات التي ستبدأ ببناء المفاعلين اللذين سيكونان نشيطين قبيل نهاية العقد القادم ويقامان، على ما يبدو، على شاطئ الخليج الفارسي قرب الحدود مع اتحاد الإمارات. وتحظى شركة الكهرباء الكورية الجنوبية "NPT" بتقدير شديد في الرياض على ضوء نجاحها في بناء المفاعلات في اتحاد الإمارات، ولها على ما يبدو فرص كبيرة ليتم اختيارها لبناء المفاعلات السعودية.
تطرح السعودية حججاً ثقيلة الوزن حول حاجتها للطاقة النووية المدنية للاستجابة إلى مطالبها المتعاظمة من الطاقة، وتخفيض تعلقها بالنفط وتحرير المزيد منه للتصدير، ولكن من الواضح تماماً أن الدافع الرئيس في هذا الوقت لتطوير النووي هو دافع أمني. ففي نظر السعودية، زاد الاتفاق النووي الذي وقع مع إيران عدوانية طهران ولم يوقف تطلعاتها النووية بعيدة المدى. دافع آخر هو المكانة. مثلما لا يريد السعوديون التخلف وراء إيران، فإنهم لا يرتاحون للتقدم السريع نسبياً والذي كان حققه اتحاد الإمارات في هذا المجال. فمنذ الأزل كانت المنافسة على المكانة ميزة مركزية في العلاقات بين دول الخليج العربية، وهي تحرك الكثير من النشاطات في مجالات البنية التحتية بهذه الدول، ولكن في مجال المشتريات العسكرية أيضاً. يحتمل أن يكون التهديد المبطن في تحريك المشروع يستهدف ممارسة الضغط على الولايات المتحدة والأسرة الدولية لتشديد الضغط على إيران لمنعها من الحصول على سلاح نووي. ولكن للإعلان عن بناء المفاعل، في هذا التوقيت، يوجد أيضاً بعد داخلي يرتبط بمكانة بن سلمان ورغبته في تثبيتها، لا سيما على خلفية قضية خاشقجي.
اتحاد الإمارات، الذي أكمل في نيسان 2018، بناء مفاعل نووي مدني أول في أراضيه، تعهد في اتفاق مع الولايات المتحدة العام 2009 بعدم تخصيب اليورانيوم، مقابل تلقي مساعدة نووية دولية ضرورية. وحظي هذا المستوى بلقب "منسوب الذهب" لنظام منع الانتشار النووي، ولكن السعوديين غير مستعدين لقبوله، إذ برأيهم إذا كان مسموحاً لإيران فمسموح لهم أيضاً. كقاعدة، فإن السعودية معنية بأن تثبت نفسها هكذا بحيث تكون لديها معظم الخيارات، بما فيها النووي، مفتوحة. يوجد لها، أكثر من أي جهة أخرى في المنطقة، دافع إستراتيجي وقدرات اقتصادية لعمل ذلك. فبرنامج نووي في الوقت الحاضر سيساعدها على السير في الخط ليس فقط مع إيران بل ومع اتحاد الإمارات، تركيا ومصر، التي توجد في بداية الطريق، ولكن تتقدم عليها في هذا المجال. وبالنسبة للرقابة على البرنامج النووي السعودي، فقد وقّعت الرياض على اتفاق منع انتشار النووي NPT"" ومع أنها موقعة على اتفاق الرقابة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ 2009، إلا أن هذا اتفاق بالحد الأدنى وليس "اتفاقاً شاملاً" وهي ليست موقعة على "البروتوكول الإضافي" الذي يوسع جداً صلاحيات رقابة الوكالة. أما الاتفاق الحالي فيلزمها بالقليل جداً، وهو واجب التغيير في كل الأحوال، مع بدء إقامة مفاعل البحث.
إن تطوير برنامج نووي مدني سعودي هو هدف للمدى البعيد بسبب غياب البنية التحتية المعرفية والمنشآت المناسبة في المملكة. الاتفاق مع إيران، إذا ما بقي على حاله، يمنح السعودية عقداً من السنين تتمكن فيه من تطوير جهد نووي "مدني"، دون أن تترك ميثاق منع نشر السلاح النووي. في المدى القصير، في سيناريو تنطلق فيه إيران نحو سلاح نووي في أثناء هذه الفترة، يحتمل أن يكون لدى السعودية جواب معين على شكل باكستان. هذه، رغم الخلافات معها في السنوات الأخيرة، لا تزال تشكل سنداً إستراتيجياً للسعودية، ومن شأنها أن تعطيها المساعدة في مجال السلاح النووي.
تقف إسرائيل أمام معضلة. من جهة، فإن إعطاء شرعية، حتى وإن كانت بالصمت، لقدرة تخصيب بالسعودية في إطار المفاوضات بينها وبين الولايات المتحدة، من شأنه أن يجر انهياراً متتابعاً للانتشار الإقليمي، إذا ما طلبت دول كالأردن، مصر، وتركيا هي الأخرى هذا "الحق". من شأن اتحاد الإمارات أيضاً أن يرى نفسه غير ملزم بالاتفاق معها، مثلما سبق أن ألمح. في كل الأحوال إذا قررت السعودية في المستقبل بأن عليها أن تحصل على قدرة نووية عسكرية، فإن المشروع النووي المدني المخطط له اليوم من شأنه أن يسمح بمسار قصير نحوها. بالمقابل، لإسرائيل مصلحة أن تكون الولايات المتحدة، الملتزمة أكثر بمنع الانتشار النووي، وليس الصين أو روسيا، هي التي تحظى بحق الوصول إلى السوق النووية السعودية.
وبالتالي، من المعقول أن تضغط الولايات المتحدة لمنح الرخصة لكوريا التي ستبني مفاعلات توليد طاقة من إنتاج ويستنغ هاوس. هكذا تتمكن واشنطن من أن تكون على علم بما يجري في هذا المجال هناك، وتحظى برافعة تأثير أخرى على الرياض. بهذا الشكل سيكون ممكناً أيضاً تقليص القدرة والدافعية لدى السعودية لتطوير قدرات نووية بالسر. وهنا يطرح السؤال الواجب بشأن الشركة التي ستنتج مفاعل البحث في الرياض. هناك مصادر عديدة محتملة لهذا الأمر، بدءاً بالولايات المتحدة ومروراً بالعديد من الدول مثل فرنسا، روسيا، الصين، الأرجنتين ويحتمل أيضاً باكستان. وسيقرر مورد المفاعل بقدر غير قليل ما هي غايته، إذ من الواضح بما يكفي إنه سيكون لهذا المورد تأثير لا بأس به، سواء بالنسبة لغايته المستقبلية أم بالنسبة لتوريد مفاعلات توليد الطاقة.
لن تنجح الرياض باستكمال المشروع النووي القادر على الديمومة دون مساعدة مكثفة من الخارج. وسيتعين على الولايات المتحدة والسعودية أن تجد حلاً وسطاً. إحدى الإمكانيات هي منح شراكة (مالية – وليس فنية) في منشأة أميركية تخصب اليورانيوم، من مادة خام سعودية (الشاه الإيراني كان شريكاً في مصنع تخصيب فرنسي). إمكانية أقل معقولية هي أن تقيم الولايات المتحدة وتشغل منشأة التخصيب على أرض السعودية. يسعى الرئيس ترامب إلى الحفاظ على علاقاته مع الرياض، ويرى أمام ناظريه مصالح الصناعة النووية الأميركية التي تعاني مصاعب. يجدر بإسرائيل، التي تتقاسم هي الأخرى مصالح لا بأس بها مع الرياض، ووفقاً لبعض التقارير تتمتع بتعاون معها، أن تعمل في واشنطن على منع إعطاء قدرة تخصيب غير محدودة للسعودية، وأن تحاول التأكد من أن الصفقة النووية بينهما، إذا ما خرجت إلى حيز التنفيذ، ستكون قريبة قدر الإمكان من "منسوب الذهب".

 عن "مباط عال"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: