آراء

ترامب فوق الشجرة

هاني عوكل

2018-11-09

على الرغم من النمو الاقتصادي الذي تحقق في العامين الماضيين من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلا أن ذلك لم يمنع من تلقيه ضربة على الرأس إثر الانتخابات النصفية التي مني فيها حزبه الجمهوري بخسارة في مجلس النواب.
الانتخابات النصفية التي جرت الثلاثاء الماضي، وشهدت كثافة كبيرة في التصويت، خصوصاً من النساء والشباب والأميركيين من أصول لاتينية، اعتبرت بمثابة استفتاء على سياسات ترامب الداخلية والخارجية وعلى عناوين محددة أثّرت بقوة على نبض الشارع الأميركي.
قبل استلامه منصب الرئاسة طرح ترامب برنامجاً يشكل مستقبل سياسته الداخلية والخارجية، وحصل بموجبه على تأييد الأميركيين الذين أوصلوه إلى الحكم، غير أنه اصطدم بعقبات ترجمة خطاباته، سواء فيما يتعلق برفض الكونغرس إلغاء قانون أوباما كير للرعاية الصحية الذي دعا ترامب إلى إلغائه، أو بملف الهجرة وإصلاح الحدود الذي رفض هو الآخر.
كان من المتوقع أن يخسر ترامب هذه المعركة الانتخابية في ضوء عاملين مهمين، الأول يتعلق بشخصية الرئيس التي انقسم حولها العالم وفي القلب منه المجتمع الأميركي، ذلك أن ترامب كان يمتلك خطابين في تحديد سياساته: الأول عبر القنوات الرسمية، والثاني عبر "تويتر" ووسائل التواصل الاجتماعي.
ليست المشكلة في ترامب وإنما في طريقة إدارته لأكبر دولة في العالم على كافة الصعد، حيث إنه أدار علاقاته مع الأوروبيين بطريقة استعلائية مفادها "أميركا أولاً"، وأن على أوروبا دفع ثمن الحماية الأميركية، ولم يتوقف عند ذلك فحسب بل فتح جبهة أخرى في موضوع العلاقات التجارية معها.
موقفه من الاتفاق النووي مع إيران قوبل بالرفض من جانب الاتحاد الأوروبي الذي رأى الاتفاق عادلاً ويشكل فرصة للاستفادة الاقتصادية بفتح باب الشراكات والاستثمارات في طهران، وعلى الجانب الآخر تقييدها بمنع تطوير قدراتها النووية.
أيضاً بخصوص موقفه من اتفاق باريس للمناخ، فقد انسحبت بلاده من هذه الاتفاقية التي وقعت عليها عام 2015، وسط إدانة دولية لهذا القرار. وفي موضوع الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، بدا الرئيس الأميركي منحازاً للحكومة الإسرائيلية، حيث أضعف السلطة الفلسطينية على كافة المستويات، حتى تقبل عنوةً بـ"صفقة القرن" التي يُحضّر من أجلها.
حتى أنه بادر بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس دون الحصول على تأييد من قبل  الأوروبيين الذين انتقدوا هذا الإجراء. الأميركيون سواء في الحزب الجمهوري أو الديمقراطي لا ينظرون كثيراً إلى موضوع الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، لكن تهمهم طبيعة العلاقة مع أوروبا، وكذلك الحال بالنسبة للعلاقات التجارية مع الصين.
العامل الآخر يتصل بانقسام الكونغرس الذي كان يديره الجمهوريون قبل الانتخابات النصفية حول قرارات ترامب بخصوص إصلاح الضرائب والنظام الصحي والهجرة، ولم يتمكن الرئيس الأميركي من ترجمة كل برنامجه الانتخابي الذي وعد به ناخبه.
الانقسام والشلل الذي ساد الكونغرس في الفترة النصفية لحكم ترامب، انعكس على المجتمع الأميركي الذي تخوف من أن تقود سياسات الرجل في حال نفذت إلى زيادة العنصرية بين أوساط الأميركيين والمهاجرين من مختلف دول العالم.
ما جرى في الانتخابات النصفية هو بالتأكيد استفتاء على فترة ولاية ترامب، وأغلب الظن أن الخسارة التي مني بها الجمهوريون سببها على وجه التحديد الرئيس الأميركي الذي لم يفلح في تقديم خطاب متوازن يتجاوز التخوفات من ملفات داخلية حساسة.
لأول مرة منذ ثمانية أعوام يحصل الديمقراطيون على أغلبية في مجلس النواب، وكل ذلك بفضل ترامب الذي أوصلهم إلى هذه النتيجة، الأمر الذي من شأنه أن يحد من صلاحيات الرئيس على المستوى التشريعي، فضلاً عن تعزيز رقابة الديمقراطيين على سلطته التنفيذية.
الناخب الأميركي ممتن للنمو الاقتصادي الذي وصلت إليه الولايات المتحدة عند مؤشر 3%، وكل ذلك نتيجة لجهود ترامب في دفع عجلة التنمية والتركيز على المنتج المحلي وتقليل نسب البطالة، لكن هذا الناخب أيضاً يخاف على مستقبله من طريقة الرئيس الأميركي في إدارة الملفات المهمة، خصوصاً تلك التي تتصل بتفاصيل حياته ومعيشته.
في كل الأحوال، لم تعد يد ترامب طليقة في تشريع القوانين التي تتعارض مع نبض الشارع الأميركي، لأنه حينذاك سيجد من يفرمله سواء ضمن دائرته الحزبية أو في إطار الديمقراطيين الذين يتمتعون بالأغلبية في مجلس النواب.
المعنى أن ترامب الذي سبق له أن مرّر قوانين ولم يحالفه الحظ في تمرير حزمة أخرى، سيواجه هذه المرة معارضتين، خصوصاً إذا طرح ملفات مثل الهجرة والضمان الصحي، وبالتالي من غير المستبعد أن يختلف خطابه عمّا كان قبل يوم الانتخابات النصفية.
أيضاً من غير المستبعد أن نسمع عن مساومات بين الرئيس الأميركي وحزبه الجمهوري من جهة، والديمقراطيين من جهة أخرى بشأن تمرير تشريعات في الكونغرس، وربما سيتجاوز الطرفان مسألة التدقيق في حسابات ترامب من قبل الديمقراطيين على خلفية تصريحاته التي ذكر فيها أنه لن يكون هناك لاعب واحد وإنما هناك لاعبون، ويقصد بذلك أنه يمكنه فتح مواجهة مع الديمقراطيين بعرض ملفات أخرى.
خطاب الرئيس الأميركي، خصوصاً للسياسة الداخلية، سيكون مختلفاً بعد الانتخابات النصفية، لأنه يشعر الآن بأن هناك من يلاحقه أكثر من الماضي، ولذلك يجوز القول: إنه الآن فوق الشجرة ويتعذر عليه النزول إلى الأسفل دون سلّم نجاة.
هذا السلّم الذي كان يمتلكه ترامب قبل الانتخابات النصفية لم يعد موجوداً الآن، وبالتالي هو بحاجة إلى طرائق للبحث عن سلّم نجاة، وقد يعني ذلك إعادة صياغة خطاب يلقى ترحيباً من قبل الديمقراطيين، أو أنه سيدخل معركة لن تقود إلى سلّم.
الأغلب أن المرحلة المقبلة ستشهد مساومات كبرى بين الديمقراطيين والجمهوريين لضبط التوازنات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ولذلك قد لا يكون هناك تحول كبير في السياسة الخارجية الترامبية، وكذلك الحال بالنسبة للسياسة الداخلية وكل ذلك محكوم بشكل ونوع "الطبخة" بين أكبر حزبين في الدولة الأهم بالعالم.
Hokal79@hotmail.com
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: