ترامب ونتنياهو: التنازل عن القيم العالمية

2018-11-08

بقلم: سامي بيرتس
السرعة التي هنأ فيها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو جاير بولسونرو على انتخابه رئيسا للبرازيل، دون التفكير للحظة بعدد من رسائله الاشكالية (تصريحات ضد السود والنساء والمثليين)، هذه السرعة تدل بشكل معين على الفجوة بين التعهد الاسرائيلي – اليهودي باصلاح العالم وبأن يكونوا نورا للاغيار وبين الواقع. من المبالغ فيه التوقع من اسرائيل أن تعلم العالم، وأن تضع له رايات اخلاقية أو مقاطعة دول عظيمة. دولة صغيرة مع تعقيدات كثيرة، مصالح وجودية والقليل من الزبدة على الرأس، لا تستطيع أن تعلم أي أحد. فضلت اسرائيل دائما مصالحها على تشجيع قيم عالمية، ولكن يبدو أنه منذ انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة وصعود الشعبوية، تنازلت تماما عن التبجح بأن تظهر كمن تسعى الى تطبيق هذه القيم.
هذا ليس لأنه ليس لديها تردد، فقط من الواضح ما هو خيارها. مثلا، في حالة تصفية الصحافي جمال الخاشقجي – حدث يثير التساؤل بخصوص طبيعة النظام في السعودية – فانه لم يكن لنتنياهو أي معضلة: اهمية النظام السعودي في الصراع ضد ايران تفوق بصورة كبيرة الحاجة الى انتقاد العائلة المالكة السعودية، لذلك فهو يعمل امام الولايات المتحدة من أجل ترك السعوديين وشأنهم.
عندما انتخب ترامب رئيسا للولايات المتحدة أعلن في احد خطاباته الاولى بأنه لا ينوي التدخل في شؤون دول اخرى وأن يقول لها كيف تتصرف. هذه كانت رسالة مختلفة جدا عن الرسالة الاميركية المتساوقة خلال عشرات السنين الاخيرة، التي تفاخرت بالدفع نحو تصدير القيم الديمقراطية، الليبرالية والرأسمالية، واحيانا من خلال فرضها بالقوة، على سبيل المثال في حرب فيتنام.
ترامب قرر تقليص دور اميركا كشرطي وبوصلة للعالم. ليس من قبيل التواضع بل لاعتبارات عملية. الحروب في ارجاء العالم تحتاج الى الاموال. تشجيع قيم عالمية يكلف المال. ترامب يفضل أن يغرم من لا ينضبط حسب ما يراه. هكذا قام بتقليص دعمه لميزانية الامم المتحدة وميزانيات المساعدة للفلسطينيين. لقد اصبح بشكل أقل شرطيا يحمل عصا. وبشكل اكثر رجل بنوك مع محفظة تفتح، وبالاساس تغلق، حسب الضرورة. سلاحه هو تقليص الميزانيات. سلوكه وشخصيته انشأت فراغا قيميا في العالم، لكن هو من جانب ونتنياهو يتصرف براحة داخل هذا الفراغ.
دخل الى الخطاب الاقتصادي العالمي في السبعينيات مفهوم «مسؤولية الشركة» بعد أن تبين أن مصانع اميركية مثل «نايكي» تشغل عمالا في آسيا بظروف استغلالية في مشاغل معرقة. استهدف هذا المفهوم وصف التوقعات المأمولة من شركات عالمية بأن لا تكتفي بانتاج وتسويق المنتجات الجيدة للمستهلكين، بل أن تأخذ على عاتقها المسؤولية عن ظروف العمل لعمال الانتاج، وعن جودة البيئة في المصانع، وعن ظروف تربية الحيوانات – حتى لو كان ذلك في بنغلاديش أو في ماليزيا. من الصعب القول إن هذه الرسالة تسربت وسرت في كل الشركات وغيرت سلوكها تماما – الكثير منها ما زالت تستغل وتلوث – ولكنهم يحاولون، والتوقعات منهم ازدادت.
إن التوق الى مسؤولية اجتماعية من هذه الشركات ينبع من قوة السوق العظيمة لها في عصر العولمة. كما يبدو هذا توقع يجب على كل شخص أن يطوره تجاه زعماء العالم المتنور. يجب أن يكون لديهم مسؤولية مشتركة ودافعية لتطبيق قيم عالمية. ولكن عهد ترامب يكشف عن توجه معاكس: القليل من التدخل في شؤون الدول الاخرى، وأكثر تركزا في الساحة الداخلية؛ أكثر حماية على حساب تطوير التجارة العالمية؛ تنازل عن تصدير القيم وانزال مكانة قضايا حقوق الانسان في سلم الاولويات. يتركز سلم الاولويات في اسرائيل على الاحتياجات الامنية. كل دولة تساعد في الصراع ضد ايران تعتبر على الفور صديقة. وللاصدقاء يتم العفو عن كل شيء، ولا نتدخل في شؤونهم. وهذا يزيد من حدة مركزية التهديد الايراني في الخطاب الاسرائيلي. خط نتنياهو هو في المقام الاول منع مفاعل نووي عن الاغيار، بعد ذلك يكون بالامكان التفكير بنور للاغيار.

عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: