"أنا وصديقي والحمار" لمحمود شقير .. رواية للفتيان مفتوحة على الفنتازيا

2018-10-30

كتب يوسف الشايب:

" ... وما زال صديقي محمد يتذكر ذلك اليوم، حين قام رجل شرير بالاستيلاء على حماره، وهو لم يكن بطلاً في فيلم، بل رجلاً من لحم ودم، وصديقي لم يكن هندياً أحمر" .. بهذه العبارات التي أنهى بها الروائي الفلسطيني مستهل روايته للفتيان "أنا وصديقي والحمار"، ليحملنا نحو عديد التأويلات والإحالات بربطها بما سبقها، حيث الحديث عن التشويه الهوليوودي الممنهج لصورة أصحاب الأرض الأصليين الذين عرفوا باسم "الهنود الحمر"، بينما هم ليسوا هنوداً وليسوا حمراً، وتم تصويرهم على أنهم مصدر الشر.

وفي هذه المقاربة دلالات عميقة على مستوى الفكرة، والهوية، والأرض، والحق، إذا ما سحبنا الأمر على الحالة الفلسطينية، أما من حيث البنية الفنية، فصدمة "الحمار مات" كانت بمثابة قوة ساحرة مغناطيسية لإتمام الرواية ذات الأسلوب السلس الشيّق والعميق في آن، "على نفس واحد"، كما نقول بالدارجة الفلسطينية.

في سير الحكاية وسيرورتها، حديث ما عن مفاوضات تجري بين صاحب كيس القمح، أو اللص لاحقاً، وبين محمد الذي يرفض عرض "اللص" بالتنازل عن صاحبه الحمار، ولو لليلة واحدة، كما أن الحمار نفسه كان متردداً في إتمام المسير نحو المجهول، وفي هذا، على ما قرأت، تأويلات سياسية قد تكون إقحاماً مني على نص فقد صاحبه ملكيته له بمجرد نشره، وهي تأويلات تنطبق على سيرورة المفاوضات في الحالة الفلسطينية، ربما.

والرواية الصادرة عن مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي في رام الله، محفزة، بطبيعة الحال، لتفعيل مخيال قارئيها من يافعين أو من هم أكبر سناً، ولصالح تأويلات أخرى لإسقاطات النص، أو ما يرتؤونه في ما وراء النص من دلالات قد تتجاوزه أحياناً.

في أيار من العام 1957، فقد محمد حماره .. سرق، رغم مقاومته والحمار، وهي نكبته الشخصية التي تحاكي النكبة الجمعية الفلسطينية قبلها بعشر سنوات، وتلك الأخرى التي جاءت بعدها بعشر سنوات .. وهو ما عبّر عنه صاحب الحمار بالقول "بلادنا سرقت، فهل تريدنا أن نتأسى على حمار؟!".

ومع رحلة ملاحقة الذكريات أو مطاردتها، والتحسر على واقع دور العرض السينمائي في القدس، خاصة بعد اندلاع انتفاضة العام 1987، بدأ محمد وصديقة الراوي محمود رحلة البحث عن الحمار، وكأنها رحلة بحث عن وطن، بدءاً من منطقة الحادثة، وحين فشلا بعد محاولات كثيرة، قرر صاحب الحمار الاتجاه إلى لغة القوة، بعد أن بات ملاكماً له كلمته في الحلبات، ولكن دون نتائج أيضاً.

واستطاع شقير باقتداره المعهود، أن يتجول بنا في أزقة القدس، خلال رحلة البحث عن الحمار عند أسوار القدس القديمة، وفي سوق باب خان الزيت، وسوق الدبّاغة، وكنيسة القيامة، والمسجد الأقصى، وسوق القطّانين، وهو هنا يعيد الاعتبار إلى تفاصيل امكنة لا يمكن للكثير من قراء الرواية يافعين وكباراً الوصول إليها، إلا عبر تصاريح تصدرها سلطات الاحتلال، وهو نادراً ما يحدث.

وتبرز في الرواية ايضاً منطقة الخان الأحمر، والمستوطنة التي تعلوها عنوة، وهي هنا توصف على أنها رواية استشرافية، لكونها كتبت قبل عامين من نشرها مؤخراً، اي قبل عامين من تحوّل الخان الأحمر إلى رمز لصمود الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والاستيطان.

وكم كان الربط ذكياً ما بين سرقة الأرض وسرقة الحمار، التي قالها محمد صراحة عن زيارته إلى الخان الأحمر، بعد وقت طويل نسبياً، وقيامه بعملية استعادة لذاكرته تجاه المكان الذي هو ذاته مكان الحداثة، بمعنى أن أرض الخان الأحمر التي سرقت وأقيمت عليها مستوطنة غير شرعية للإسرائيليين على أراض محتلة باعتراف العالم بأسره، كان موقع سرقة الحمار .. قالها صراحة، كي لا نُسقط تأويلاتنا هذه المرة، ولتصل إلى الفتيان دون مواربة.

وبتقنية "الفلاش باك" يعود شقير بنا وبأبطال الرواية إلى أيار من العام 1957، حيث ذكريات المراهقة في ظل العائلة، وشجر الزيتون، وتلك السمراء اليافعة، وحكايته مع فادية والأفلام، وحكاية الحمار المسروق حديثاً، آنذاك.

وتتواصل رحلة البحث بنفس بوليسي شيّق، حيث المراقبات، وفرق المرابطة، والأسماء المستعارة، والتصوير، وحتى العملاء السريين كبائعة الخضار، على سبيل المثال لا الحصر.

ولم تخل الرواية من فنتازيا وظفت ببراعة فكان لها حضورها الساحر على القارئ، وخاصة حين مزج ما بين الحلم والسينما والحمار الذي عبر عن رغبته بدور تمثيلي في الفيلم، أو في حديث الحمار عن قدرته الخارقة، رغم سرقته والسطو عليه، في التجول بحرية بين كل الجغرافيات، في ساعات الليل.

ويدخلنا شقير في روايته للفتيان "أنا وصديقي والحمار" في أتون حرب أخلاقية حول جدلية الفقر، والسرقة، وفكرة أن "الجوع كافر"، وما إذا كانت تقتصر أعمال السرقة على الأثرياء، وهو ما انعكس في وعي ولا وعي صاحب الحمار، مخلفاً تناقضات عدة ما بين رغبته بالعثور على حماره وإلقاء القبض على اللص، وما بين احتمالية أن يكون اللص فقيراً، وأراد بيع الحمار لإطعام أولاده، وفق افتراضات أم صديق من فرقة البحث.

ويبقى المتخيل في النص المبني على قصة حقيقية حدثت مع صديق الروائي محمود شقير، أمراً حيوياً جعل من النص مساحة للاستمتاع أيضاً، دون التنازل عن طرح أسئلة كبرى حول الوطن، والهوية، والأخلاق، والتفاوت الطبقي، والزواج المختلط، وغيرها.

الصديقان اللذان تنقلا بين جغرافيات وأزمنة متعددة حتى كانت النكسة، فبقي محمود الراوي والروائي في القدس، وغادر صديقه صاحب الحمار إلى هيوستن، وبات من أهم المصرفيين الناجحين هناك، بل من رجال الأعمال البارزين، ولم تحُل نكبته الشخصية والنكبة الجمعية للفلسطينيين دون تحقيقه لنجاحات متتالية.
بقي الحمار عبر الذاكرة، أو عبر استحضار رمزيات الحمار السياسية والإبداعية على المستوى الكوني، ومنها ذلك التحدي الذي وصل إلى ذروة الفنتازيا، حين قام حمار في فلسطين بمواجهة جنود الاحتلال عند حاجز قلنديا العسكري الفاصل بين الضفة الغربية والقدس.

أما الخاتمة، فكانت صادمة، وتؤكد أن الكتابة للفتيان ليست بالأمر الهيّن، وأن تقنيات هذه الكتابة عليها التجدد باستمرار على مستوى المضمون، والشكل، والتكنيك أيضاً، وهو ما برع فيه في روايته "أنا وصديقي والحمار"، والتي يمكن التقاطها وتحويلها إلى عمل سينمائي روائي أو باستخدام تقنية الرسوم المتحركة، لامتلاكها مقومات النص الصالح لذلك.

 

____________________________________

 نقلاً عن "ضفة ثالثة"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: