"موت مختلف" لمحمد برادة .. تجربة الحزب الاشتراكي الفرنسي بمرويّة مغاربية

2018-10-30


كتبت بديعة زيدان:


لم تكن حكايات "منير" على تشعباتها، إلا مشجباً يعلق عليه محمد برادة، بأناقة رفيعة على مستوى اللغة، والسرد، والحبكة، مفاصل سياسية وتاريخية عن الحركة الاشتراكية الفرنسية منذ منتصف القرن الماضي وحتى ما قبل انتخاب "أولاند" رئيساً للجمهورية، متناولاً الأحداث بلغة الروائي المبدع الذي استطاع باقتدار المزاوجة ما بين التأريخ والسرد، في روايته "موت مختلف"، الصادرة عن منشورات الفنك بدعم من وزارة الثقافة المغربية، وعن دار الآدار اللبنانية، وهي إحدى الروايات الفائزة بجائزة "كتارا" للرواية العربية في دورتها للعام 2017.

وكما اختار حياة مختلفة بعيداً عن مسقط رأسه وأهله في مدينة دبدو بالمغرب، يبحث "منير" الآن عن "موت مختلف" بعد 47 عاماً من الإقامة في فرنسا للدراسة والعمل.

يستهل برادة أول فصول روايته بمشهد لـ"منير" في غرفة نومه، وفي أول أيامه بعد التقاعد من عمله كمدرس للفلسفة .. كان ذلك في العام 2012 .. كان يوماً مضطرباً وساكناً في حياته، بل وهادئاً هدوءاً غريباً متأملاً في سنواته الماضية بفرنسا، ورحلة حياة طويلة صاخبة.

"في هذه اللحظة بالذات، وأنا ممدد على فراشي أستقبل أول يوم في رزنامة تقاعدي، تغمرني رغبة كاسحة في أن أسرد رحلتي بطريقة ما، لتبدو المراحل والقسمات ماثلة، بارزة، فتسعفني ربما على أن أستوعب مساراً خضع للارتجال والنزوة والجري وراء أحلام غزيرة المنال؟".

يقرر منير بعد تقاعده، وفي ظل وضعه النفسي المتخبط، أن يزور مسقط رأسه في زيارته الأولى بعد أن حطت به الرحال في فرنسا لما يقارب النصف قرن، فعندما أنهى الثانوية العامة، وبتشجيع من والده الذي كان يتمنى لابنه مكاناً أكثر أمناً واستقراراً من الحياة في "دبدو"، منتصف القرن الماضي، حيث الناس فيها كانوا يعملون في الزراعة ورعاية الأغنام وبعض الوظائف البسيطة، انتقل للعيش في باريس بنية الدراسة، إلا أنه، وبجانب دراسته، ينخرط في عالم السياسة، وتحديداً يبيت واحداً من كوادر الحزب الاشتراكي الفرنسي، ويشارك وغيره في ثورة العام 1968.

جاء ذلك بعد أن بدأ في التعرف إلى أعضاء سبقوه إلى الحزب، من بينهم "ألبير" صديقه الفرنسي، الذي يشاركه الدراسة في الجامعة ذاتها، ويجمعهما منزل "كوليت" الفرنسية ذات الأصول الهندية، وهو المنزل الذي يحتضن لقاءات الشبيبة الاشتراكية الفرنسية، أو جزءاً منها.

اتخذت كوليت المتمردة فيلا صغيرة أطلقت عليها اسم "خلوى الضالين" لتكون مكاناً يتحرر فيه الأصدقاء من أية سلطة أو قيد فيرقصون، ويغنون، ويتحدثون في السياسة والمظاهرات.
بدأت ملامح التغيير الفكرية تظهر على "منير"، فالتجربة النضالية، والتمرد العلني الذي بدأ باحتجاج ومظاهرات من قبل اتحاد طلاب فرنسا انضم اليهم مجموعة من الفنانين والمثقفين والفلاسفة تحولت هذه التظاهرات إلى ثورة 1968.

أما في الجانب العاطفي فكان لـ"منير" حكايات عدة وتحولات، أولها تلك العلاقة الحميمية بـ"جوسلين"، الطالبة السويسرية، والتي انتهت بعودتها إلى بلادها بعد أن أنهت دراستها الجامعية، وتلتها كاترين جيرو، طالبة الحقوق في سنتها الأخيرة، التي تعرف إليها في المظاهرات، وتصاعد وتيرة العلاقة حتى وصلت إلى الزواج الذي كان من نتائجه ابنهما "بدر".

في العام 1970 انضم كل من "منير" و"كاترين" إلى الحزب الاشتراكي الفرنسي، وبشكل متسارع نظم الحزب صفوفه استعداداً لخوض معركة استلام الحكم، وفي العام الذي يليه عقد مؤتمر "ابناي" الذي أعلن فيه الحزب خوضه غمار الانتخابات الرئاسية.

أما على الصعيد الشخصي، وإلى جانب نجاحات الحزب الاشتراكي، التي كان لمنير وكاترين جزء منها، فقد تخرج منير من جامعته وعمل أستاذاً للفلسفة في إحدى مدارس ضواحي باريس، قبل أن يتزوج كاترين وينجب منها "بدر" العام 1982، وهي فترة يعكس فيها برادة روائياً ازدهار واقع الحزب سياسياً، على الواقع الشخصي لمنير.

"أظن أن صوت الطلاب خلال مظاهرات مايو 1968، هو الذي نبهني إلى أهمية الإفصاح عن الرغبات، بما فيها النزوة العابرة التي تكشف ما هو كامن في الأعماق. منطق العلائق الاجتماعية الموروثة يفرض قضم وتجاهل حريات ورغائب الفرد سواء كانت ذاتية أو لها طابع جماعي ... وأنا أسمع شعاراتهم الجرئية وانتقادهم للحكومة ورئيس الجمهورية والشرطة ومؤسسات الأسرة والجامعة والأحزاب، أدركت أن الأوضاع القائمة ليست ناتجة عن صدفة يمكن أن تتغير من تلقاء نفسها، وإنما هي قائمة وفق مصالح واختيارات متشابكة، متدثرة بأردية لا يطابق مظهرها جوهرها المتخفي.

كنت كلما رددت شعاراً، أقيسه بوضعي أنا الوافد من بلاد تسودها قيم الوصاية والحجر، وتحنطها تقاليد كاتمة للأنفاس. شيئاً فشيئاً، بدأت أشعر وسط الهتافات بكياني المتواري، المتضائل، يتنامى وتبرز تقاسميه عبر نداءات الحرية والانعتاق. أدركت، وقد اختلط صوتي بصوت الطلاب الآخرين، أن وضعيتي يمكن أن تتغير، وأن هناك قضايا كثيرة مشتركة إذا تحققت ستخلصنا من سطوة الآليات المتسترة التي تعوق طموحنا إلى المعرفة والحب والمساواة (...)".

يسير زواج منير واستقراره بموازاة استقرار الحزب ونجاحاته، إلى أن يبدأ بعض التغيرات تصيب الاثنين، فمع زيادة أعباء العمل الحقوقي في مكتبها، تستعين كاترين بالشابة لويز، وهنا يحدث تحول غريب في علاقتها مع منير أبرز عناوينه "البرود"، إلى أن تعترف لمنير أنها تريد الارتباط بعلاقة حميمة بصديقتها لويز، وهو ما جعلها تنفصل عنه وتطلب الطلاق، ليدخل في فراغ كبير كمتقاعد ومطلق.

هو أيضاً دخل في علاقة مع ايفلين أستاذة اللغة الانكليزية المطلقة، أما ابنهم "بدر"، والذي توترت علاقته بوالده وخاصة بعد زيارته ووالدته للمغرب، فهو الذي رباه والده على التشبث بمبادئ عصر الأنوار، يتكشف مع بداية الألفية الثالثة أن التحولات الكبيرة والأحداث المروعة التي تمر بها فرنسا التي اتجهت نحو اليمين وما رافق صعود التيار اليميني من أعمال عنف لتنظيم "إسلاموي"، ما يتنافى مع ما رباه عليه والده من قيم، فتركت في نفس الابن الشاب خوفاً وقلقاً واضطراباً انعكس على علاقته بوالده، الذي يقرر تجميد علاقته بحزب بات "فاقد البوصلة".

ويلاحظ القارئ في رواية برادة أن ضمير الراوي يتغير بعد الصفحة السادسة والستين، من ضمير المتكلم حيث كان منير يروي بنفسه حكاياته، إلى ضمير الغائب، وهو هنا "راوي الرواة"، وكأن شخصاً آخر أخذ على عاتقه سرد الأحداث بالنيابة عنه، وهو هنا يقاعد "منير" مبكراً من فعل السرد، ويعطي مساحة لوصف حالته بشكل أوسع بعيداً عن ضمير المتكلم الذي بدأ مسيطراً في الجزء الأول من الرواية حين كانت أشبه بمذكرات رجل متقاعد، بينما قام "راوي الرواة" بإعادة قولبة شكل "موت مختلف" حين بدأت مياه السرد تفيض عن يوميات "منير" باتجاه رواية شخصية وأخرى تأريخية سياسية موازية، في رؤية حداثية بامتياز على مستوى التقنية، تتوزع مشهدياتها التي تمزج المحلي بالعالمي، كما مزجت الخاص بالعام، على ثلاثة فصول عنوانها برادة بـ"زيارة مسقط الرأس"، و"في بلاد الأنوار"، و"كابوس مقيم".

"ما تبقى من خلال هذه التجربة، هو أنها ربطتني بعيّنات من الناس لهم سجايا وسلوكات أقنعتني بأهمية الرفقة والحوار والصداقة. تعلمت، بالتدريج، أن أعطي الأسبقية لتجسيد المبادئ في السلوك، ولو كان تجسيداً نسبياً، متعثراً. إلا أن إيقاع التحولات داخل فرنسا، منذ مطلع الألفية الثالثة، عرف تسارعاً مربكاً يحار المحللون في الإحاطة بتجلياته وعواقبه.
وما قوّى قلقي هو صعود أقصى اليمين في الانتخابات البلدية والتشريعية، وانتشار قيم الانغلاق والعنصرية، إلى جانب عمليات الاغتيال والتخريب التي يمارسها تنظيم إسلاموي يستغل الدين لتثبيت خطة عالمية تخدم أغراضاً وحشية معادية للإنسان ... يكون من الطبيعي، حينئذ، أن يتفشى الخوف وتتناسل الكوابيس، وتختل العلاقات بين المواطنين، ويعمّ الارتياب في قدرة الدولة ودور القوى السياسية ...".

و"منير" المغربي الذي كان عشرينياً حين حط في فرنسا، وناضل في صفوف الحزب الاشتراكي من أجل تجسيد مبادئ ثورة 1789، وأحلام انتفاضة "مايو 1968"، قبل أن يعود بعد نصف قرن من الغياب إلى مسقط رأسه، يبقى بطلاً إشكالياً، يسائل التاريخ والذات والآخر في سياق كابوس مقيم يخلخل اليقينيات ومؤسسات المجتمع، وكونية القيم الإنسانية، عبر استيقاظ الأسئلة الغافية بأعماقه عن الهوية، وتعثر اليسار الفرنسي، وتجربته في الزواج من كاترين، وعلاقته المعقدة بابنه بدر الحائر، ممزق الهوية، فـ"فرنسا بدر" ليست هي "فرنسا منير".

 

 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: