عملية "بركان" وأسطورة "المنفذ الفرد"

2018-10-12

بقلم: أليكس فيشمان
قبل نحو أسبوع من العملية، التي وقعت في المنطقة الصناعية «بركان»، جرى في المدينة الفلسطينية الجديدة روابي مهرجان موسيقي ضخم، شارك فيه عشرات الآلاف من الشباب والشابات الفلسطينيين. لم تتجول هناك أي امرأة مع برقع، ولم يطلق أحد النار في الهواء. مهرجان آخر بروح غربية من النوع الذي نراه في أشهر الصيف رأيناه في حديقة «اليركون». ما أزعج القيادة الفلسطينية هو حقيقة أن المهرجان جرى يوم السبت، بعد يوم من الصدامات الدموية على حدود غزة، والتي قتل خلالها سبعة شبان وأصيب 500. ولكن هذا لم يزعج عشرات الآلاف من الشباب الذين تدفقوا إلى روابي من كل أرجاء الضفة للاحتفاء بالحياة، تماماً مثلما كانت صراعات القوى في القيادة الفلسطينية قبيل انعقاد المجلس المركزي لـ م.ت.ف في نهاية الشهر تعنيهم كما تعنيهم قشرة الثوم.
لا شيء في ما يسمى «أجواء العنف في الضفة» لم يتغير جوهرياً في الأيام ما قبل القتل في «بركان»، ولا في الأيام التي بعده. فالأحاديث عن شارع محرض الآن أكثر من أي وقت مضى – والذي تُعتبر العملية في «بركان» أحد أعراضه – هي تخمين عاقل آخر من الجيش عن المزاج العام في الجمهور الفلسطيني. وهذه هي المشكلة. فالجمهور في إسرائيل يتعرف على ما يجري في الشارع الفلسطيني من زاوية النظر المحدودة لجهاز الأمن. فالحديث يدور عن قشة رفيعة جداً، تعنى أساساً بمواجهة التهديدات. وبالتالي، فلا غرو في أنه حتى بعد العملية في «بركان» قُصف الجمهور في البلاد بوابل من الرسائل الثابتة لدى جهاز الأمن: يوجد ارتفاع في التوتر في المناطق، قوات الأمن تستعد لعمليات التقليد.
«عمليات التقليد» مفهوم تبناه الجيش من مجال علم النفس، كي يدخل منطقاً ما في ظاهرة «منفذي العمليات الأفراد» الذين يطلون من مكان ما، ويكشفون الجهاز عارياً. ولكن التقليد هو فقط سبب واحد، وهو ليس المركزي بينها، لأن يقوم شخص ما لديه مشكلة شخصية – نفسية فيمتشق سلاحاً ويخرج في حملة قتل بادعاء «مقاتل حرية». من بين 800 قضية أمنية من أنواع مختلفة، حلل الجيش والمخابرات هذه السنة لغزها في الضفة، فإن 8 – 9 في المئة لم تمنع؛ فبعض هؤلاء تسللوا الجدار ووسائل الحراسة وقاموا بالقتل.
تعاني الولايات المتحدة هي الأخرى تواتراً متصاعداً في ظاهرة «منفذ العملية الفرد»: ذاك الشاب الذي قرر أن يدخل مدرسة، مكان عمل أو نادياً، فيقتل الناس. في الولايات المتحدة يعمل القاتل باسم الرب، باسم العنصرية، باسم الانتقام من النظام وما شابه. أما عندنا، فهو يجتاز طريق النبل الوطني. هذه الطقوس تجر في أعقابها أيضاً طقوساً دائمة مثل البث الحي والمباشر من مكان الحدث، عناوين رئيسة ضخمة، جنازات جماهيرية، مسيرات للسياسيين، توصيات من الخبراء لما ينبغي عمله في المستقبل. وعندها، بعد بضعة أيام، يعود الناس إلى الحياة العادية، وعملية القتل التالية تمحو ذاكرة القاتل السابق.
في إسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء يعرف الناس أنه يمكن تقليص كمية نوبات الجنون هذه، ولكن أحداً لا يفعل حقاً أي شيء كي يقلص الظاهرة. في الولايات المتحدة هذه قصة سياسية داخلية، موضع خلاف، حول وفرة السلاح الناري. فإذا فرضت قيود متشددة على شراء السلاح، وحراسة معقولة على المنشآت والمؤسسات، من المعقول الافتراض أن عدد القتلة الأفراد سيقل. عندنا أيضاً يدور الحديث عن قصة سياسية موضع خلاف. فإدا نشأت أجواء حوار مع الفلسطينيين، يمكن الافتراض بأن عدد منفذي العمليات الأفراد سينخفض. صحيح أن منظمات «الإرهاب» التي لن تكون راضية ستواصل إنتاج العمليات، ولكن ظاهرة المنفذ الذي لا ينضوي تحت أي مظلة تنظيمية، ستتقلص. هكذا على الأقل حصل في الماضي. والادعاء بأن العقاب القائم ليس رادعاً بما فيه الكفاية هو ديماغوجيا، وذلك لأن القانون والمصلحة الأمنية لا يسمحان بعمل أكثر بكثير مما يتم اليوم.
في مجال الحراسة أيضاً يوجد عندنا الطقس الثابت ذاته: يشكلون لجاناً، يتخذون قرارات، ولكن في معظم الحالات فإن التنفيذ إما جزئي أو عدمي. بعد فضيحة البوابات الإلكترونية في الحرم أصدرت الشرطة عطاءات لأفضل الشركات في مجال الحراسة. وتحمست الشرطة للخطط، ولكن عندما رأت كم سيكلف هذا تراجعت. فمن أجل حراسة المنطقة الصناعية «بركان» وكل مصنع على حدة، فإن الحكومة وأرباب العمل على حد سواء سيتعين عليهم أن يستثمروا مبالغ طائلة. هذا لن يحصل. هذا ثمن اعتيادنا على الجمود مع الفلسطينيين، والذي له أنماط سلوك ثابتة: انفجارات شعبية، هدوء، منفذ عملية فرد، ضحايا، حداد وطني، تهديدات، عقاب، نسيان، هدوء وهكذا دواليك.

عن «يديعوت»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: