آراء

عامل في مخبز

سما حسن

2018-10-11

نشر أحد المخابز الشهيرة في غزة إعلانا من خلال صفحة المخبز على موقع فيسبوك، وتضمن الإعلان وظيفة شاغرة لعامل في المخبز، وفوجئت إدارة المخبز أن عدد المتقدمين لشغل الوظيفة قد تجاوز الثلاثة آلاف متقدم وفي غضون أربع وعشرين ساعة من نشر الإعلان فقط، وقد تراوحت أعمار المتقدمين ما بين 18_ 49 سنة، فيما تباينت تخصصاتهم الجامعية ما بين البكالوريوس والدبلوم في فروع علمية مهمة مثل الهندسة، والحقوق وغيرها، والمؤسف أن هذه الوظيفة المعلن عنها لا يتجاوز الأجر اليومي لمن سيحصل عليها مبلغ الثلاثين شيكلا، ولكن التهافت عليها كان عجيبا ومؤلما.
هذه الحالة المعلن عنها والتي تشير إلى نسبة البطالة العالية المنتشرة في قطاع غزة بين قطاع الشباب خصوصا، والخريجين الحاصلين على الدرجة الجامعية الأولى، وكذلك تشير إلى ما وصل إليه الحال من سوء لدرجة أن يفكر الخريج الجامعي بأن يعمل عاملا باليومية بعد أن دفع له أهله المال الكثير حتى حصل على شهادته التي يغيبها درج منسي ومعتم في خزانة البيت، أو يتركها معلقة على الجدار ويعتليها الغبار، فيما يمضي به قطار العمر يوما بعد يوم، وشهرا فسنة، وهو لا يعرف إلى أين النهاية أو المصير وزهرة شبابه تذبل ما بين ترقب وانتظار وهو في الحقيقة الخديعة للنفس لا الأمل لها.
لا يمكن الإتيان على أرقام حقيقية لمعدلات البطالة في غزة، والبطالة تجر الفقر، والفقر يؤدي إلى تأخر سن الزواج بالنسبة للجنسين، وهذه حقائق صادمة بالنسبة لمجتمع كان يحرص على الزواج في سن مبكرة لمن لم يتلق تعليما، وعلى الزواج بمجرد التخرج والحصول على الوظيفة أي في منتصف العشرينيات للشاب وأوائلها بالنسبة للبنت، ولكن الوضع قد تغير مع أكثر من عشر سنوات من الحصار، ومع ثلاث حروب متتالية على غزة خلفت ما خلفته من تدمير للبيوت والبنية التحتية للقطاع.
قطاع غزة يمثل ما نسبته 1,3% من مساحة فلسطين، ولكنه الأعلى كثافة بالنسبة للمساحة حيث يقطنه أكثر من مليوني مواطن في ظروف معيشية صعبة، وفي ظل الحصار، وانعدام الأفق للتعمير والاستثمارات التي لو حدثت فمن الممكن أن تحرك المياه الراكدة وتدفع بهؤلاء الشباب الذين تقدموا لوظيفة عامل في مخبز إلى صفوف الإنتاج الحقيقية التي تليق بتخصصاتهم وتناسبها، فالعامل في المخبز لا يحتاج لشهادة جامعية، ولكنه يحتاج للقوة البدنية والقدرة على التحمل. فالمهندس يمكن أن ينجز عملا وهو في مكتبه ويحرك يديه ويمعن فكره، والطبيب يداوي في عيادته، ولكن كل واحد منهما يحتاج لمن يقدر جهده لكي يقدم كل ما لديه وافضله، المهندس لو أخطأ ستكون عاقبة خطئه وخيمة، والطبيب سيفقدنا روحا عزيزة لو أخطأ، أما عامل المخبز فهو سيحرق الخبز ويحمر الكعك زيادة عن المعتاد في أغلب الأحيان، فعاقبة خطئه ليست عظيمة، فما بالنا نريد أن ندفع بخريج الهندسة لكي يقف أمام الفرن، ولماذا نريد من خريج كلية التمريض أن يعمل في صف الخبز بعد خروجه من الفرن؟
الأدوار المتبادلة لا أحد يشعر بوبالها إلا في وقت متأخر، وحين تمر السنوات، ولو أن كل واحد حصل على العمل الذي يستحق لما كانت هناك جرائم ولا سرقات ولا تجاوزات، ولكن لا أحد يحصل على ما يستحق وما يقابل شهادته وثمرة تعبه وجهده.
غزة التي تدفع بآلاف من أولادها خريجي الجامعات للعمل في مخبز، ليست مجرمة، ولكنها ضحية، وغزة ضحية منذ سنوات طويلة وليس منذ سنوات قريبة، فهي عبر التاريخ كانت ملتقى قارتين، ونقطة صغيرة على الخريطة ولكنها كانت تغير التاريخ في كل مرة، في حرب خاسرة أو رابحة، ولو قرأنا التاريخ سنكتشف أنه سيتغير بسبب ما وصل إليه حال أبنائها، فلنحذر، كل الحذر.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: