حكومة نتنياهو تعيد إسرائيل مئة عام إلى الوراء!

2018-09-13

بقلم: شاؤول أريئيلي
تجربة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المحزنة، وطاقم مبعوثيه لإزالة القضية الفلسطينية عن أجندة أي مفاوضات مستقبلية بين إسرائيل وم.ت.ف، عن طريق وقف التمويل الأميركي لـ "الأونروا" وإغلاق ممثلية م.ت.ف في واشنطن، تحطم الأرقام القياسية للجهل والتعالي والعدوانية، التي سجلت فقط قبل شهرين عندما طلبت هذه المجموعة شطب موضوع القدس من الأجندة عن طريق الاعتراف بها كعاصمة لإسرائيل.
هذه المجموعة – ترامب، كوشنير، غرينبلات وفريدمان – تتقاسم المقاربة والسياسة ذاتها بخصوص النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وجدعون ساعر، الذي يريد أن يكون وريثه، والائتلاف الوطني – المسيحاني في حكومة إسرائيل. جماعة نتنياهو، الثملة بالقوة والتي تخشى من أن تفقد ما يعتبر بالنسبة لها "فرصة تاريخية" تمنحها كما يبدو إدارة ترامب، "أفكاراً" مختلفة لحل النزاع، بدءاً من ضم مناطق في الضفة الغربية أو جميعها، وإعطاء حكم ذاتي مقلص للفلسطينيين في مناطق (أ) و(ب)، أو بدل ذلك إقامة إسرائيلية وجنسية أردنية، كونفدرالية فلسطينية مع الأردن. وفي النهاية أيضاً طرد الفلسطينيين إلى الأردن، "الوطن البديل"، حسب رأيهم.
خلال المفاوضات بين حكومات إسرائيل وم.ت.ف حول الاتفاق الدائم تبلورت "صفقة" جاءت لتلبية الحاجات الضرورية أكثر للطرفين. مطالبة إسرائيل بالأمن تم الاستجابة لها من قبل الفلسطينيين في مغلف يتكون من 9 لبنات: "جدار أمني" على حدود متفق عليها في نظام حدودي مراقب، تجريد فلسطين من السلاح الثقيل ومن الجيش، شرطة فلسطينية تحارب الإرهاب وتطبق القانون والنظام، نشر قوات متعددة الجنسيات للإشراف على نزع السلاح ومراقبة الحدود وإجراء مهمات خاصة، انتشار إسرائيلي مؤقت في غور الأردن، محطات إنذار ومجال جوي تحت سيطرة إسرائيلية، نشاط ثلاثي الأطراف على الحدود بين فلسطين والأردن، عمق إستراتيجي مشروط (يحظر على فلسطين مثلما في اتفاق السلام مع الأردن عقد تحالفات عسكرية مع دول ومنظمات معادية لإسرائيل)، واتفاقات أمن إقليمية مع المحور الإيراني – الشيعي. في المقابل وافقت إسرائيل برئاسة أولمرت على الصيغة الأميركية لوزيرة الخارجية، كونداليزا رايس، بأن تمتد فلسطين على 6.205 كم مربع (22 في المئة من فلسطين الانتدابية) من أجل أن تمكن من تبادل أراض يبقي تحت سيادة إسرائيل الأغلبية الحاسمة من الإسرائيليين الذين يعيشون خلف الخط الأخضر.
مسألة اللاجئين وافق محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، ورئيس م.ت.ف على حلها من خلال عودة رمزية ومحدودة إلى إسرائيل، بموافقة ومصادقة إسرائيل نفسها، بصورة لا تهدد الميزان الديموغرافي لإسرائيل وإعطاء التعويضات. وهذه مواقف كررها، الأسبوع الماضي، أمام وفد لنشطاء سلام إسرائيليين تم استقبالهم في رام الله. في المقابل، وافقت إسرائيل على عاصمة فلسطينية في شرق القدس (الأمر الذي يحوّل مكانة الـ 350 ألف فلسطيني من سكان إسرائيليين إلى مواطنين فلسطينيين)، ضم الأحياء اليهودية في شرق القدس لإسرائيل و"نظام حكم خاص" في "الحوض التاريخي" حيث يتم من خلاله الحفاظ على الوضع الراهن في الأماكن المقدسة الذي يسود هناك منذ سنوات.
على خلفية هذه الحقائق التاريخية، التي عرضت مرات لا تحصى على كوشنير، مستشار وصهر ترامب، وعلى غرينبلات، مبعوث ترامب لشؤون النزاع، فإن الصيغة الجديدة التي تطرحها إدارة ترامب تدل على فشل عميق للفهم الأساس للصفقة، التي يمكنها أن تضمن أن يكون لها شريكان. في الوقت الحالي إدارة ترامب تعاملت بأسلوبها البائس فقط مع المسألة الثانية (القدس – اللاجئين)، وبصورة مضحكة طالبت بحسم التوتر بين مطالب إسرائيل والفلسطينيين عن طريق إعطاء فوز تقني بـ 2: صفر لإسرائيل دون أن يطلب منها على الإطلاق وضعها على طاولة المفاوضات. تحصل إسرائيل على غايتها في مسألة اللاجئين – عن طريق قرار رئاسي يقول: إن اللاجئين الفلسطينيين لم يعودوا موجودين وبالطبع ليس هناك من سيعود وليس هناك من سيحصل على التعويضات. في مسألة القدس فإن القدس "الموحدة" التي تحولت في الخمسين سنة الأخيرة إلى عربية أكثر وحريدية أكثر ومناهضة أكثر للصهيونية وأكثر فقراً وتمييزاً وأكثر مناهضة للديمقراطية، ستبقى عاصمة إسرائيل إلى "أبد الآبدين". محاولة عدوانية لتحويل أخطاء ليس لها أي صلة بالتاريخ إلى واقع.
مسألة الحدود والأمن، أخذت جماعة نتنياهو وبينيت وشكيد وسموتريتش على عاتقها تسويتها. وزيرة العدل ولوبي "أرض إسرائيل" برئاسة كيش وسموتريتش، نجحوا في وضع الأسس القانونية، غير الليبرالية وغير الديمقراطية، لمشاريع القانون العتيدة لضم مناطق مختلفة في الضفة الغربية (قانون القومية، قانون التسوية، فقرة الاستقواء، وما أشبه). عدد منهم مثل بينيت يريدون الاستمتاع بالمَهر (مناطق ج) والافتراض بصورة متخيلة أن العروس (ملايين الفلسطينيين في مناطق "أ" و"ب") ستواصل التمسك بالتنسيق الأمني مع إسرائيل في إطار حكم ذاتي ثقافي. وهو اقتراح محاولة تسميته "خطة" هي محاولة بائسة ومتعالية بدرجة غير معقولة، لأنها لا تعطي إجابة سياسية وأمنية واقتصادية للواقع الذي توجد فيه 169 جزيرة من مناطق (أ) و (ب) محاطة بعشرات الممرات من مناطق ج.
آخرون أكثر تواضعاً يريدون ضم (فقط) كل مناطق الاستيطان الإسرائيلي أو القدس الكبرى أو غور الأردن. كل الاقتراحات دون استثناء (ليس أي منها مرفقاً بخارطة)، هكذا يعدنا من وضعوها، ستؤدي في نهاية المطاف إلى تطبيق الوعد الإلهي بمنح "أرض إسرائيل" (التي تم تحديد حدودها على قاعدة مصالح الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى) للشعب اليهودي. الكثيرون منهم يذهبون أبعد من ذلك، ويرون في ذلك خلق الشروط الضرورية لمجيء المسيح وتأسيس مملكة داود وبناء الهيكل المقدس الثالث. مع "أرض إسرائيل الكاملة" فإن دولة إسرائيل حسب رأيهم ستحظى بالأمن المطلق أيضاً، سواء بوجودها على نهر الأردن أم لأن الله يحفظها، حتى لو كان في جبهتها الداخلية يعيش ملايين الفلسطينيين عديمي الحقوق.
"الصفقة النهائية" لترامب إذا استندت إلى السياسة والتصريحات الحالية لإدارته فإن مصيرها الفشل. لا يوجد شريك فلسطيني أو عربي للخطط المنقطعة عن تاريخ النزاع وعن الشرعية الدولية المتمثلة بقرارات الأمم المتحدة 242 و338. وإذا لم يتم إيجاد مصادر تمويل بديلة، فإن القرار بشأن "الأونروا" يمكن أن يعيد إشعال القطاع على خلفية فشل العملية الأخيرة لـ "حماس" في التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل بشأن رفع الحصار، وقف إطلاق النار لفترة طويلة المدى، وإعادة تأهيل مرافق الحياة التي على شفا الانهيار منذ فترة طويلة. وحتى القدس من شأنها أن تتأثر بإلغاء المساعدة الأميركية لمستشفيات شرق القدس.
هذا سيؤثر على العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين وإخراجها من التوازن الرقيق الذي توجد فيه، لكن ليس بإمكانها أن تخرجها خارج إطار الاتفاقات وإلى واقع جديد تماماً.
في المقابل، الوسيلة التي تقود بها مجموعة نتنياهو وبينيت وسموتريتش إسرائيل هي الأكثر خطراً. حكومة نتنياهو تريد أن ترمي خطة الأمن ذات التسع لبنات وأن تستبدلها بخطوات ضم تصعب العلاقات إلى درجة حرب داخلية بين إسرائيل والفلسطينيين، بين اليهود والعرب، بين اليهود فيما بينهم وبين العرب والعرب. على حدودها فإن إسرائيل ستشهد انهيار اتفاقات السلام مع مصر والأردن وخلق جبهة "إرهاب" ديني "متطرفة" تتغذى على دعم إيران وتركيا وقطر وتركب على موجة الكراهية التي تتعاظم في الشارع العربي.
للمرحلة الأولى تجرّ حكومة نتنياهو إسرائيل إلى دولة أبرتهايد على قاعدة "خطة" مقطوعة عن الواقع حيث الجهات المهنية لم تشارك في أي يوم فيها، وبعد ذلك ستؤدي إلى انهيار مصحوب بعنف، سيؤدي إلى دولة أخرى – دولة ثنائية القومية في البداية وسرعان ما تتحول إلى دولة عربية مع أقلية يهودية دينية وفقيرة، بالضبط مثلما كانت "أرض إسرائيل" عشية طرح المشروع الصهيوني قبل أكثر من مئة سنة.

عن "هآرتس"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: